الشيخ محمد رشيد رضا

198

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مسالك العلة في القياس ، ولم ينوطوها باجتهاد الامراء والحكام ، وهذا الخوف في محله ولكنه لم يق الأمة من أهواء الحكام كما ينبغي ، إذ كان يوجد في عهد كل ظالم من علماء السوء من يمهد له الطريق ولو لبعض ما يريد من اتباع الهوى . والطريقة المثلى لحفظ الحق وإقامة ميزان العدل ، هي رفع قواعد الحكم على الأساس الذي شرعه اللّه تعالى للمسلمين بقوله ( وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) وقوله ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) كما فصلناه في تفسير هذه الآية في الجزء الخامس من التفسير - لا بانكار أصل المصالح ، ولا بالتضييق في تفريع الاحكام عليها . فإذا نيط ذلك بأولي الامر ( أي أهل الحل والعقد ) الذين ينصبون الامام ( الخليفة ) ويكونون أهل الشورى له ويكون هو مقيدا بما يقررونه - فحينئذ لا يخشى من جعل مراعاة المصالح ذريعة للمفاسد ما يخشى منه في حال اقرار كل متغلب على الحكم مع التضييق في مسالك استنباط الاحكام ، الذي جرى عليه جماهير الفقهاء ، وانما مثار المفاسد كلها أن يوسد الامر إلى غير أهله ، وان يقر على الملك كل متغلب ، ويرضى بتقليده كل جائر جاهل ، فهذا هو الذي أضاع على المسلمين دينهم ودنياهم نتيجة ما تقدم علم مما تقدم ان المسائل الدينية المحضة وهي العقائد والعبادات تؤخذ من نصوص القرآن وبيان السنة لها بالقول أو العمل ، على الوجه الذي كان عليه الصدر الأول من الصحابة ، فما أجمعوا عليه فلا عذر لأحد في مخالفته ، وما اختلفوا فيه ينظر في دلائله ويرجح بعضه على بعض كما يأتي تفصيله في القسم الثالث من أقسام أحكام المعاملات ، ولا يلتفت إلى الشذوذ ، ولا يجوز بحال من الأحوال احداث عبادة جديدة أو الاتيان بعبادة مأثورة على غير الوجه الذي كان عليه النبي ( ص ) وجمهور أصحابه ( رض ) لا بقياس ، ولا بدعوى اجماع لمن بعدهم ، ولا لمصلحة ، ولا لغير ذلك من العلل والنظريات ، لان اللّه تعالى قد أكمل الدين أصوله وفروعه بكتابه وبيان رسوله ( ص ) وأخبرنا ان ما سكت عنه فهو عفو منه سبحانه ، فمن زاد من ذلك شيئا كان مراغما لنص القرآن أو طاعنا في بيان الرسول ( ص ) أو زاعما أنه أكمل منه علما وعملا